
شفيق عنوري
بالرغم من مرور أزيد من شهر على نشوب الأزمة الدبلوماسية بين المغرب وإسبانيا، بسبب استضافة الأخيرة لزعيم جبهة البوليساريو الانفصالية إبراهيم غالي، ما تزال الجارة الشمالية للمملكة، تتجاهل الإجابة عن الأسئلة التي طرحتها وزارة شؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، التي يقودها ناصر بوريطة.
وأسفر إقدام إسبانيا على استضافة غالي للاستشفاء، بتواطؤ مع 4 جنرالات جزائريين، في خلق أزمة غير مسبوقة بين المملكتين الجارتين، حيث أكد المغرب أن الخطوة تمت عن سبق إصرار وتخطيط، مطالبا بالوضوح في العلاقات الثنائية والثقة المتبادلة، باعتباره أنه لا يعقل أن يتم غدر أحد الشركاء في الليل، ومطالبته في اليوم الموالي بأن يكون وفياً.
ولعب المغرب أولى الأوراق التي يملكها في مواجهة إسبانيا، بعدما رفع يده عن التعاون الأمني في حراسة الحدود، الأمر الذي تسبب في تدفق الآلاف من المهاجرين إلى مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين، بالإضافة إلى هجرة العشرات عبر الشواطئ المغربية صوب الضفة الأوروبية، قبل أن يعيد تأمين حدوده لاحقاً، بعد أن وصلت رسالة الدور الكبير الذي يلعبه في حماية توافد الهجرة السرية.
وما تزال حالة الترقّب مستمرة لتطورات الأحداث في الأزمة الحالية، في ظل استمرار صمت إسبانيا، التي كانت وزيرة خارجيتها قد قالت إن غالي سيغادر أراضيها، على أن يمثل أمام القضاء في وقت لاحق، وهو ما جوبه بتهديد صريح من المغرب مفاده أن خروج زعيم البوليساريو بنفس الطريقة التي دخل بها يعني جمود العلاقات بين البلدين.
وفي هذا السياق، قال محمد المرابطي، أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية بكلية الحقوق بفاس، إن بوريطة “حين صرح بأن المغرب قد تغير، وعلى إسبانيا أن تستوعب ذلك، انطلق من معطيات لها ما يعضدها في الواقع، حيث تمكنت المملكة خلال العقدين الأخيرين من مراكمة بعض مقومات القوة وإثبات الذات، ساعدتها في ذلك عدد من العوامل”.
وأضاف المرابطي، أنه من بين العوامل التي ساعدت المملكة على إبراز مقومات القوة، “الموقع الجيواستراتيجي للمغرب، الذي يشكل جسر العبور للأشخاص والسلع والمواصلات في اتجاه أوروبا وفي اتجاه إفريقيا، وكذا اكتسابه لتجربة مهمة في مجال محاربة الإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للحدود”.
وتابع بأن المغرب يمتلك عدداً من الأوراق “التي يمكن استعمالها في سبيل الضغط على إسبانيا كلما استلزم الأمر ذلك”، مسترسلاً: “فضلاً عن ورقة الهجرة ومراقبة الحدود، يمكن للدبلوماسية المغربية إشهار الورقة الأمنية في وجه الجارة الإيبيرية بخصوص التهديد بالإحجام عن التعاون الأمني وتبادل المعلومات الأمنية وتعقب الإرهاب والاتجار بالمخدرات، وتبييض الأموال والاتجار بالبشر وغير ذلك”.
وأوضح المتخصص في العلاقات الدولية، أنه “من بين الأوراق المهمة التي يمكن للمغرب التهديد بها أيضا، المطالبة باسترجاع سبتة ومليلية المحتلتين في إطار اللجنة الرابعة بالأمم المتحدة، وتمتيعهما بحكم ذاتي في إطار السيادة المغربية، حيث إن مطلب تصفية الاستعمار وتحرير المدينتين السليبتين لا يتقادم”.
وضرب المتحدث مثالاً بـ”هون كونغ”، التي عمّر فيها الاستعمار البرطاني أزيد من 160 سنة، قبل أن يتم إرجاعها للصين وتمتيعها بحكم ذاتي لتدبير شؤونها باستقلالية تحت السيادة الصينية، مضيفاً: “صحيح أن المغرب لم يطالب رسميا باسترداع هاتين المدينتين، ولكن المملكة تضغط بطريقة ذكية من أجل إيجاد حل ملائم لسبتة ومليلية المحتلتين وذلك بإقدامها على خطوتين في غاية الأهمية”.
وأشار المرابطي، أن “الأولى تتعلق بإنشاء ميناء طنجة المتوسط بالقرب من سبتة السليبة، وميناء آخر في طور الإنجاز بالناظور غرب المتوسط قريبا من مليلية المحتلة، وبذلك يكون المغرب قد أحكم الحصار الاقتصادي على الثغرين، أما الخطوة الثانية فتتمثل في وضع حدّ لعمليات تهريب السلع الإسبانية من المدينتين نحو المملكة”.
كما أن المغرب، يملك ورقة أخرى، حسب المرابطي، وهي “مطالبة إسبانيا بالاعتذار والتعويض عن استعمالها للغازات الكيماوية السامة في حربها على الريف في عشرينيات القرن الماضي”، إلى جانب، يتابع المتحدث: “أن المبادلات التجارية مع إسبانيا يمكن أن تشكل ورقة ضغط هي الأخرى، باعتبارها الشريك التجاري الأول للمغرب بعد إزاحة فرنسا الشريك التقليدي من موقع الصدارة”.
وأكد المرابطي أن إسبانيا “ستتضرر من تداعيات القطيعة _ إن وصلت العلاقات بين البلدين إلى هذا المستوى من التدهور _ أكثر مما سيتضرر المغرب، نظرا لاختلال الميزان التجاري لصالحها، كما أن إسبانيا هي المستفيد الأول من منافع اتفاقية الصيد البحري المبرمة بين المغرب والاتحاد الأوروبي”.
أما بخصوص حملة مقاطعة المنتوجات الإسبانية التي أطلقها نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي، يوضح المرابطي، بأنها “ستضر المغرب أيضا، في طار المعاملة بالمثل، خاصة أن المغرب يستقطب أكثر من نصف المشاريع الاستثمارية الإسبانية الموجهة لإفريقيا”، مختتماً: “يبقى الأمل معلقا على تغيب صوت الحكمة على النزعة الاستعلائية الاندفاعية لإسبانيا التي لازمتها منذ أن كانت بلداً مستعمراً للمغرب”.


